محمد بن جرير الطبري
123
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كانت الآية محتملة للمعنيين اللذين وصفنا ، فلا حجة فيها لأَحد الفريقين على الآخر ، إلا وللآخر عليه فيها مثلها . وإذا كان كذلك ولم يكن بإيجاب فرض العمرة خبر عن الحجة للعذر قاطعا ، وكانت الأَمة في وجوبها متنازعة ، لم يكن لقول قائل هي فرض بغير برهان دال على صحة قوله معنى ، إذ كانت الفروض لا تلزم العباد إلا بدلالة على لزومها إياهم واضحة . فإن ظن ظان أنها واجبة وجوب الحج ، وأن تأويل من تأول قوله : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ بمعنى : أقيموا حدودهما وفروضهما أولى من تأويلنا بما : حدثني به حاتم بن بكير الضبي ، قال : ثنا أشهل بن حاتم الأَرطبائي ، قال : ثنا ابن عون ، عن محمد بن جحادة ، عن رجل ، عن زميل له ، عن أبيه ، وكان أبوه يكنى أبا المنتفق ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ، فدنوت منه ، حتى اختلفت عنق راحلتي وعنق راحلته ، فقلت : يا رسول الله أنبئني بعمل ينجيني من عذاب الله ويدخلني جنته إدخال الجنة النجاة من عذاب الله قال : " اعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وأقم الصلاة المكتوبة ، وأد الزكاة المفروضة ، وحج واعتمر " حكم العمرة قال أشهل : وأظنه قال : " وصم رمضان ، وانظر ماذا تحب من الناس أن يأتوه إليك فافعله بهم ، وما تكره من الناس أن يأتوه إليك فذرهم منه " . وما حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن إبراهيم ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ومحمد بن أبي عدي ، عن شعبة ، عن النعمان بن سالم ، عن عمرو بن أوس ، عن أبي رزين العقيلي رجل من بني عامر قال : قلت يا رسول الله أن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن ، وقد أدركه الإِسلام ، أفأحج عنه ؟ قال : " حج عن أبيك واعتمر " . وما حدثني به يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال : " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وحجوا حكم العمرة واعتمروا واستقيموا يستقم لكم " . وما أشبه ذلك من الأَخبار ، فإن هذه أخبار لا يثبت بمثلها في الدين حجة لو هي أسانيدها ، وأنها مع وهي أسانيدها لها في الأَخبار أشكال تنبئ عن أن العمرة تطوع لا فرض واجب . وهو ما : حدثنا به محمد بن حميد ، ومحمد بن عيسى الدامغاني ، قالا : ثنا عبد الله بن المبارك ، عن الحجاج بن أرطأة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه سئل عن حكم العمرة أواجبة هي ؟ ، فقال : " لا ، وان تعتمروا خير لكم " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، وحدثني يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : ثنا شريك ، عن معاوية بن إسحاق ، عن أبي صالح الحنفي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحج جهاد والعمرة تطوع " . وقد زعم بعض أهل الغباء أنه قد صح عنده أن حكم العمرة واجبة بأنه لم يجد تطوعا إلا وله إمام من المكتوبة فلما صح أن العمرة تطوع وجب أن يكون لها فرض ، لأَن الفرض إمام التطوع في جميع الأَعمال . فيقال لقائل ذلك : فقد جعل حكم الاعتكاف تطوعا ، فما الفرض الذي هو إمام متطوعه ؟ ثم يسأل عن الاعتكاف أواجب هو أم غير واجب ؟ فإن قال : واجب ، خرج من قول جميع الأَمة ، وإن قال : تطوع ، قيل : فما الذي أوجب أن يكون الاعتكاف تطوعا والعمرة فرضا من الوجه الذي يجب التسليم له ؟ فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله . وبما استشهدنا من الأَدلة ، فإن أولى القراءتين بالصواب في العمرة قراءة من قرأها نصبا . وإن أولى التأويلين في قوله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ تأويل ابن عباس الذي ذكرنا عنه من رواية علي بن أبي طلحة عنه من أنه أمر من الله بإتمام أعمالهما بعد الدخول فيهما وإيجابهما على ما أمر به من حدودهما وسننهما . وإن أولى القولين في العمرة بالصواب قول من قال : هي تطوع لا فرض . وإن معنى الآية : وأتموا أيها المؤمنون الحج والعمرة لله بعد دخولكم فيهما وإيجابكموهما على أنفسكم على ما أمركم الله من حدودهما . وإنما أنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية على نبيه عليه الصلاة والسلام في عمرة الحديبية التي صد فيها عن البيت معرفة والمؤمنين فيها ما عليهم في إحرامهم إن خلي بينهم وبين البيت الحرام ومبينا لهم فيها ما المخرج لهم من إحرامهم إن أحرموا ، فصدوا عن البيت الحرام وبذكر اللازم لهم من الأَعمال في عمرتهم التي اعتمروها عام الحديبية وما يلزمهم فيها بعد ذلك في عمرتهم وحجهم ، افتتح بقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وقد دللنا فيما مضى على معنى الحج والعمرة بشواهد ، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ . اختلف أهل التأويل في الإِحصار الذي جعل الله على من ابتلي به